ابن كثير
266
البداية والنهاية
لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه ، فقيل له : جلس إليك [ ابن ] ( 1 ) أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه ؟ قال : أردت أن يعلم هو وأبوه أن لله عبادا يزهدون فيهم وفيما في أيديهم . وقد روى عبد الله بن أحمد عن ابن طاوس قال : خرجنا حجاجا فنزلنا في بعض القرى ، وكنت أخاف أبي من الحكام لشدته وغلظه عليهم ، قال : وكان في تلك القرية عامل لمحمد بن يوسف - أخي الحجاج بن يوسف - يقال له أيوب بن يحيى ، وقيل يقال له ابن نجيح ، وكان من أخبث عمالهم كبرا وتجبرا ، قال : فشهدنا صلاة الصبح في المسجد ، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاوس فجاء فقعد بين يدي طاوس ، فسلم عليه فلم يجبه ، ثم كلمه فأعرض عنه ، ثم عدل إلى الشق الآخر فأعرض عنه ، فلما رأيت ما به قمت إليه وأخذت بيده ثم قلت له : إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك ، فقال طاوس : بلى ! إني به لعارف ، فقال الأمير : إنه بي لعارف ، ومعرفته بي فعلت بي ما رأيت . ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا ، فلما دخلت المنزل قال لي أبي : يا لكع ، بينما أنت تقول أريد أخرج عليهم بالسيف لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك . وقال أبو عبد الله الشامي : أتيت طاوسا فاستأذنت عليه فخرج إلي ابنه شيخ كبير ، فقلت : أنت طاوس ؟ فقال : لا ! أنا ابنه ، فقلت : إن كنت أنت ابنه فإن الشيخ قد خرف ، فقال : إن العالم لا يخرف ، فدخلت عليه فقال طاوس : سل فأوجز ، فقلت : إن أوجزت أوجزت لك ، فقال تريد أن أجمع لك في مجلسي هذا التوراة والإنجيل والفرقان ؟ قال : قلت : نعم ! قال : خف الله مخافة لا يكون عندك شئ أخوف منه ، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه ، وأحب للناس ما تحب لنفسك . وقال الطبراني : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه . قال : يجاء يوم القيامة بالمال وصاحبه فيتحاجان ، فيقول صاحب المال للمال : جمعتك في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا ، فيقول المال : ألم أقض لك الحوائج ؟ أنا الذي حلت بينك وبين أن تصنع فيما أمرك الله عز وجل من حبك إياي ، فيقول صاحب المال إن هذا الذي نفد على حبال أوثق بها وأقيد ، وقال عثمان بن أبي شيبة : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن الضريس ، عن أبي سنان ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم قط ، عطاء وطاووس ، ومجاهد وسعيد بن جبير ، وعكرمة . وقال سفيان : قلت لعبيد الله بن أبي يزيد : مع من كنت تدخل على ابن عباس ؟ قال : مع عطاء والعامة ، وكان طاوس يدخل مع الخاصة ، وقال حبيب : قال لي طاوس إذا حدثتك حديثا قد أثبته فلا تسأل عنه أحدا - وفي رواية فلا تسأل عنه غيري . وقال أبو أسامة ، حدثنا الأعمش ، عن عبد الملك بن ميسرة ، عن طاوس قال : أدركت
--> ( 1 ) من صفة الصفوة 2 / 287 .